كتبت: شيرين عاطف ناجي
قد يظن كثيرون أن تأجيل شرب الماء لساعات طويلة أمر بسيط لا يترك آثارًا تُذكر، إلا أن الحقيقة تختلف تمامًا؛ فالمخ يعد من أكثر أعضاء الجسم تأثرًا بنقص السوائل، إذ يبدأ في إظهار علامات قد تتراوح بين ضعف التركيز والصداع، وصولًا إلى تراجع الأداء الذهني إذا استمر الجفاف.
وفي السطور التالية نستعرض ما يحدث للمخ عند تجاهل شرب الماء لساعات طويلة، وأبرز الأعراض التي تستدعي الانتباه.
يُعد الماء عنصرًا أساسيًا للحفاظ على كفاءة عمل الدماغ، إذ يشكل نسبة كبيرة من تركيبته ويسهم في تنظيم تدفق الدم ونقل الأكسجين والمواد الغذائية إلى الخلايا العصبية. وعند الإصابة بالجفاف، حتى وإن كان بدرجة بسيطة، ينخفض حجم السوائل في الجسم، ما قد يقلل من كفاءة الدورة الدموية الواصلة إلى المخ ويؤثر في نشاط الخلايا العصبية والتواصل بينها.
ونتيجة لذلك، قد يعاني الشخص من تراجع القدرة على التركيز والانتباه، وبطء في سرعة التفكير والإستجابة، إلى جانب ضعف مؤقت في الذاكرة والشعور بالإجهاد الذهني. كما قد يؤدي الجفاف إلى الصداع والدوخة وتقلبات المزاج، وفي الحالات الشديدة قد يسبب ارتباكًا ذهنيًا واضطرابًا في الوعي نتيجة اختلال توازن السوائل والأملاح داخل الجسم.
وكشفت دراسات علمية اعتمدت على تقنيات التصوير العصبي المتقدمة والاختبارات المعرفية أن الجفاف يترك تأثيرات مباشرة على كفاءة عمل الدماغ، من خلال إحداث سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تؤثر في أداء الخلايا العصبية.
وأوضحت النتائج أن نقص السوائل يؤدي إلى انخفاض تدفق الدم الواصل إلى المخ، ما يحد من كفاءة إمداد الخلايا العصبية بالأكسجين والعناصر الغذائية اللازمة للحفاظ على نشاطها. كما يتسبب الجفاف في إرتفاع مستويات هرمونات التوتر، وهو ما يرتبط بتراجع القدرة على التركيز والإنتباه وإضطراب الحالة المزاجية.
بالإضافة إلى ذلك، يؤدي اختلال توازن الإلكتروليتات في الجسم إلى التأثير على آلية انتقال الإشارات العصبية بين الخلايا والمشابك الدماغية، الأمر الذي قد ينعكس على سرعة التفكير، والذاكرة، والقدرات الإدراكية.
وفي حالات الجفاف، يلجأ الجسم إلى آليات دفاعية للحفاظ على توازن السوائل، من بينها زيادة إفراز هرمون الفازوبريسين (الهرمون المضاد لإدرار البول)، الذي يساعد على احتفاظ الجسم بالماء والمساهمة في الحفاظ على مستوى ضغط الدم.
إلا أن استمرار ارتفاع مستويات هذا الهرمون لفترات طويلة قد يؤدي إلى تأثيرات صحية غير مرغوبة
كما يؤدي نقص السوائل في الجسم إلى انخفاض حجم الدم، وهو ما قد ينعكس على تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، مما يؤثر في كفاءة وظائفه. ومع تفاقم الجفاف يقل إنتاج اللعاب، فتظهر أعراض مثل جفاف الفم أو الشعور بلزوجته، إلى جانب جفاف الشفاه وتشققها نتيجة فقدان الجسم لكميات كافية من الماء.
ويعمل الدماغ وفق منظومة دقيقة تعتمد على التوازن المستمر بين السوائل والأملاح للحفاظ على كفاءة الخلايا العصبية وإنتظام العمليات العقلية.
وعندما يتعرض الجسم للجفاف، يختل هذا التوازن الحيوي، فتبدأ كفاءة الأداء الذهني في الانخفاض تدريجيًا، خاصة أثناء تنفيذ المهام التي تتطلب تركيزًا طويلًا، وسرعة في معالجة المعلومات، واتخاذ القرارات، واسترجاع الذكريات، فضلًا عن التنسيق الدقيق بين التفكير والحركة.
كما أظهرت إحدى الدراسات العلمية، التي استخدمت تقنيات متقدمة لتصوير نشاط الدماغ، أن نقص السوائل يؤثر بصورة ملحوظة على مناطق رئيسية في المخ، وعلى رأسها قشرة الفص الجبهي، وهي المنطقة المسؤولة عن العديد من الوظائف التنفيذية مثل الذاكرة العاملة، والتخطيط، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات.
وكشفت نتائج الدراسة عن ارتفاع نشاط هذه المنطقة لدى الأشخاص الذين يعانون من الجفاف أثناء أداء المهام العقلية.
ورغم أن زيادة النشاط العصبي قد تبدو ظاهريًا علامة على كفاءة أعلى، فإن الباحثين أكدوا أن الأمر يعكس في الحقيقة آلية تعويضية يلجأ إليها الدماغ لمواجهة تراجع كفاءته بسبب نقص السوائل. فبدلًا من إنجاز المهام بسهولة، يضطر المخ إلى بذل مجهود أكبر وتجنيد موارد عصبية إضافية للحفاظ على المستوى المعتاد من الأداء العقلي.
ويعني ذلك أن الجفاف لا يؤثر فقط على الشعور بالعطش والإرهاق الجسدي، بل يفرض عبئًا إضافيًا على الدماغ، ويجعل العمليات الذهنية مثل التركيز والتفكير السريع واتخاذ القرار أكثر استهلاكًا للطاقة، مما يؤكد أهمية الحفاظ على ترطيب الجسم لدعم صحة الدماغ وكفاءة وظائفه.
