منوعات

قصة الحاكم الذي أنهى أسطورة الاحتفاظ بالراحلين

هل تخيلت يوما أنك تحيا مع راحل من أهلك في بيت واحد تحول إلى مسكن ومدفن بحكم أعراف لا يجرؤ أحد على تجاوزها؟  قد يبدو طرح السؤال ذاته خيالا لكنه بالفعل كان واقعا عاشه بلد عربي لم يغير من عاداته تلك سوى ثورة شاملة.

«طلع ميتين أهلنا» يبدو ذلك القول مثلا شعبيا مجردا ذاب في الموروث الشعبي المصري بينما كان له أصل تاريخي عريق وقصة أغرب من الخيال، ينتشر ذلك القول في مصر في دلالة على المواقف الصعبة أو وصف طريقة تعامل قاسية بين شخص وآخر فحينما يصف مصري آخر بأنه «طلَّع ميتينه» فتلك كناية على أنه ذاق منه الأمرين.

وبرغم انتشار ذلك القول في مصر إلا أن له أصولا تاريخية تعود إلى السودان قبل أن يشهد ذلك البلد العربي قيام الثورة المهدية وهناك كانت عادات السودانيين «دفن كبير الأسرة» في منزل العائلة!!!.

كان ذلك العرف هو «المقدس» ذاته لدى السودانيين ، لا ينبغي تجاوزه مهما كانت آراء الذين يكتمون معارضتهم لتلك العادة الغريبة. وحينما تقرر العائلة بيع المنزل لأي سبب. تكون تلك الطامة الكبرى.

 أزمة بيع المنزل

بيع المنزل بالسعر الذي يرضى البائع في تلك الحالة كان يقتضي إخراج الميت من مدفنه في أرض المنزل وكان ذلك القرار صعبا للغاية على أصحاب المنزل فكانوا يعتبرون ذلك الفعل مساسا بحرمة الميت لا ينبغي أن تحدث. وعندئذ كان يضطر بائع المنزل إلى بيعه بمن في أرضه من الراحلين وكان يعني ذلك بالنسبة للأهل فراقهم للراحل العزيز وربما صعوبة زيارته.

ظلت تلك العادات في السودان لمدة طويلة تسيطر على العقول والعواطف إلى أن قامت حركة على يد محمد أحمد المهدي عرفت بـ «الحركة المهدية» وبعد رحيل المهدي بايع السودانيون «عبد الله التعايشي» حاكما للبلاد والذي اتخذ قرارا بأن يكون دفن الموتى داخل المنازل شيئا من الماضي. واعتبر «التعايشي» أن تلك العادة لا أصل لها في دين ولا يستقيم لها منطق ولا يقبلها عقل.

 إخراج الموتى من أم درمان

تضمنت قرارات التعايشي أيضا إخراج الموتى من منطقة «أم درمان» بحيث يكون لهم مدافن خاصة. لكن التعايشي خشى في الوقت نفسه غضب أقطاب شيوخ الصوفية واستثناهم من ذلك القرار بحيث يتم تحويل منازلهم بعد دفنهم فيها إلى مقابر، وبعد تطبيق القرار على «أم درمان» تم تطبيقه في ربوع السودان كافة.

لم تكن عملية دفن الموتى في المنازل بالأمر اليسير فمع عملية الدفن، كانت تظهر لدى أهل البيت خيالات أسستها تلك العادة بشأن بقاء روح الميت في المنزل أربعين يوما وأن الميت يتعايش مع أهل بيته وينفعل بما يحدث. وتحول ذلك إلى مصدر تخويف للصغار والنساء فكيف يمرون على مكان بالبيت فيه شخص مدفون؟

برغم إلغاء ذلك العرف إلا أن بعض قبائل السودان لا تزال تطبق تلك العادة مع إدخال تعديلات طفيفة تتعلق بموقع الدفن الذي أصبح في فناء المنزل، ومن تلك القبائل «قبيلة الباري» التي يحتفظ أبناؤها بجسد الميت في مكان يمكنهم مشاهدته في فناء المنزل.

الوفاء للراحلين

أبناء قبيلة الباري يعتقدون أن الدفن بتلك الطريقة يكون على سبيل الإخلاص والوفاء للراحلين وحتى لا يفعل أحد من أهل بيته أمرا يغضبهم أو يذكرهم بما يكرهونه.

عادات تقاليد سادت فترة وبقيت آثارها لتطغى على قيم الدين والقانون ذاته .. بينما لا زال البعض يتمسك بها دون إبداء أسباب مقبولة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى