موطن غريب فيه يستر الرجل وجهه وتكشفه المراة..قصة أغرب مدينة جزائرية

تامنراست.. هي ولاية جزائرية في أقصى جنوب البلاد تفوق مساحتها دول كإسبانيا وألمانيا..
بل إن البعض لا يعتبرها مجرد ولاية أو منطقة بل كوكباً آخر.
ويعتبرها علماء الجيولوجيا كتاباً منثوراً يلخص التاريخ الجيولوجي للأرض في حيز شاسع يعتبر أكبر متحف طبيعي على الهواء الطلق في العالم ومصنف تراثاً إنسانياً.

واحة الحياة والتجارة

وتشكل مفهوماً جديداً للصحراء، فليست الصحراء هنا رملاً ذهبياً ونخيل، بل أرض ترابية وصخرية يمكنها أن تنتج أجود المزروعات كما لو أنها جنان.
وعندما تصل تجد مدينة منبسطة وبها بيوتات قديمة بعضها يعود لبدايات القرن العشرين. وفي بعض الأحياء الحديثة يوجد جامعة والمرافق الإدارية كالمطار.
لا تشبه دبي أو لاس فيجاس وحتى مدن الجزائر الأخرى. فالعمارات المربعة ذات الأجسام المكعبة نادرة إن لم تكن منعدمة، ولكنها تشبه هونج كونج لسببين بشريين لا علاقة لهما بفن البناء، فهي مجمع بشري يعيش فيه أبناء مختلف الولايات الجزائرية الثماني والأربعين.
كما تضم مختلف الجنسيات الإفريقية القادمة من دول الساحل وجنوب الصحراء. ففي هذه المنطقة تنعدم من ذهن الطوارق كلمة الحدود التي لا تعني شيئاً أمام الواقع المعيش، واقع بدو رحل يتحركون في مسارات لا علاقة لها بالحدود الجغرافية والسياسية الوهمية. لهذه الأسباب ظلت الجزائر ترفض كل تدخل أجنبي غير مدروس في المنطقة.

 الرجل يكشف وجهه

وأنت تتجول في المدينة ستجد السيدات يرتدين لباساً اسمه “التيسجنس” زاهي الألوان ووجوهن مكشوفة. فيما يرتدي الرجال في “البازان” ويخضعون لـ”حرمة التقاليد” التي تضطرهم لتغطية الوجوه مثلما تقتضي العادات والأعراف وقانون “العيب الاجتماعي” منذ آلاف السنين، في شكل يصنع مفارقة عجيبة تقع خارج المألوف.

وتقول بعض الروايات الأسطورية إن ملكة الطوارق الأولى والأم الروحية للعرق الأزرق حكمت هنا في القرن الرابع الميلادي.
وأن رجال جيشها عادوا منهزمين من معركة فاضطروا لتغطية وجوههم خشية العار ومنذ تلك اللحظة صارت تلك العادة لازمة رجالية خالصة.

وفي الولاية المجاورة تتردد ذات الرواية بشكل مغاير، فقد انهزم الرجال وانتصرت النساء في معركة رسخت الطابع الأمومي لعرق الطوارق.

كما تحتكر المرأة هنا فن “الإمزاد” لوحدها، وهو عزف على هذه الآلة الوترية مصحوب بضرب الدف المبلل بالماء، تروي فيه العازفة المغنية أغاني الوجد والفراق والانتظار.

 

 راحة الراهب شارل دوفوكو

وقبيل الغروب يصعد العشرات من السياح عبر درب حجري نحو خلوة الأب شارل دوفوكو الراهب والقسيس الفرنسي، لزيارة منزله الذي كان يختلي به تأملاً وتأليفاً في الحياة الروحية.
وقبل سنوات طلبت حكومة الفاتيكان من السلطات الجزائرية العمل على تنظيم قوافل الحجيج المسيحيين في إطار السياحة الدينية لما لهذا الراهب من قدسية.
كما طلبت وكالة ناسا الأمريكية بناء محطة هنا، غير أن تلك المشاريع لم تبلغ مرحلة التنفيذ. وفي النهاية لا يشبه الغروب هنا موطناً آخر في العالم لذا صنفته هيئة اليونسكو كأجمل مكان لمشاهدة الغروب والشروق معاً، فيشعر كل من يتوضأ بشعاع الشمس أنه يتطهر من ماضيه قبل أن ينخرط في راحة أبدية حينما تولد النجوم في قلب الظلمة.

وأحياناً تتحول السماء لمسرح مفرقعات ضوئية صامتة لكثرة الشهب المتساقطة.
نعرف الآن لماذا قال الأب شارل دوفوكو “إذا رحلت فاتركوني هنا، لا أريد أن أنقل بعيداً عن المكان الذي أشعر فيه أني إلى الله قريب”.

Exit mobile version