
لم تكن وصية الفنان القدير عبدالرحمن أبو زهرة مجرد كلمات عابرة تتعلق بالميراث أو الأمور المادية، بل كانت صرخة احتجاج في وجه مجتمع فني يراه منافقاً في بعض جوانبه.
هذه الوصية لم تخرج من فراغ، بل كانت نتاج سنوات من العزلة والتأمل في حال الوسط الفني، حيث شعر في أواخر أيامه بأن التقدير الحقيقي غائب، وأن ما يظهر على السطح ليس سوى مجاملات باردة لا تغني ولا تسمن من جوع، فقرر أن يضع حداً لهذا المسار حتى بعد وفاته.
الجانب الأكثر إثارة في وصية أبو زهرة كان موقفه الحازم من التكريمات التي تأتي “بعد فوات الأوان”.
لقد صرح مراراً في لقاءاته المتلفزة الأخيرة بأنه يرفض ما أسماه “تكريمات النفاق”، وهي تلك الاحتفالات التي تقام للفنان بعد موته لتعديد مناقبه بينما عانى في حياته من التهميش أو التجاهل.
كان يرى أن البكاء على الأطلال وتدبيج المقالات الإنشائية بعد الرحيل هو نوع من المتاجرة بمشاعر الموت، لذلك شدد في وصيته لأبنائه على ضرورة الابتعاد عن المظاهر الزائفة، مؤكداً أن التكريم الحقيقي هو ما لمسه من حب الجمهور في حياته، وليس في دروع نحاسية أو شهادات تقدير توضع على قبره وهو لا يشعر بها.
جنازة هادئة بعيدة عن الأضواء
طلب عبدالرحمن أبو زهرة من أبنائه أن تكون جنازته بسيطة وهادئة، بعيدة عن صخب الكاميرات وتدافع الباحثين عن “التريند” في الجنازات.
هذه الرغبة تعكس زهد الفنان في الشهرة الزائفة التي طالما أحاطت بالمشاهير في لحظاتهم الأخيرة.
لقد سئم من تحول سرادقات العزاء إلى ساحات للمصورين وعروض الأزياء، فكانت وصيته واضحة: “ارحموا جثماني من فلاشات الكاميرات”.
أراد أن تكون لحظة وداعه للأرض لحظة روحانية خالصة، تجمع المحبين الحقيقيين والأسرة فقط، بعيداً عن ضجيج الإعلام الذي قد يفسد جلال الموت وسكينة الرحيل، وهو ما يعكس شخصيته التي كانت تميل للوقار والخصوصية رغم شهرته الواسعة.










