
في أروقة سانتياغو برنابيو، حيث يُكتب تاريخ كرة القدم بألقاب وأساطير، يواجه ريال مدريد أزمة فنية غير متوقعة هذا الموسم. لم يكن أحد يتخيل أن يمر الفريق الملكي بتغييرين في الجهاز الفني خلال أشهر قليلة، لكن الواقع أصبح أكثر تعقيدًا مع رحيل تشابي ألونسو وتولي ألفارو أربيلوا المسؤولية. وفي قلب هذه العاصفة، يجد كيليان مبابي نفسه أمام ورطة جديدة تهدد تألقه وانسجامه مع الفريق، حيث تخرج الأمور تدريجيًا عن السيطرة.
بدأ الموسم بتفاؤل كبير بعد تعيين تشابي ألونسو مدربًا، الذي جاء بفلسفته التكتيكية المنظمة والدقيقة التي اشتهر بها في باير ليفركوزن. منح ألونسو الفريق توازنًا واضحًا، مع أدوار محددة لكل لاعب، ومساحات واسعة للمهاجمين. استفاد مبابي من هذا النظام بشكل ملحوظ؛ إذ سجل أرقامًا مذهلة في بداية الموسم، وساهم في تقدم الفريق في الدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا. كان الفرنسي يشعر بالانسجام التام، خاصة مع الحرية التي أتاحها له ألونسو في التحرك داخل وخارج منطقة الجزاء.
لكن النتائج غير المتوقعة، وخاصة الخسارة أمام برشلونة في نهائي كأس السوبر الإسباني، أدت إلى إنهاء عقد ألونسو بالتراضي في يناير 2026، بعد نحو ثمانية أشهر فقط. عُيّن ألفارو أربيلوا، مدرب فريق الكاستيا (الفريق الرديف)، خلفًا له في خطوة مفاجئة اعتمدت على الثقة الداخلية للنادي. جاء أربيلوا بأسلوب مختلف تمامًا: يركز أكثر على الجانب البدني والقوة الجسدية، مع مرونة تكتيكية أقل صرامة مقارنة بألونسو. هذا التحول أحدث حالة من عدم الاستقرار داخل الغرفة المغلقة، وأثر مباشرة على بعض اللاعبين الرئيسيين.
يعاني مبابي الآن من صعوبة واضحة في التأقلم مع هذا النهج الجديد. بحسب تقارير إسبانية حديثة، يفتقد النجم الفرنسي المساحات والحرية التي كان يتمتع بها تحت قيادة ألونسو. أصبح التركيز البدني الأكبر يحد من تأثيره الهجومي، ويقلل من فرص الاختراق التي يعتمد عليها. تراجعت أرقامه التهديفية نسبيًا في الفترة الأخيرة، رغم أنه سجل أهدافًا مهمة في بداية الموسم. في بعض المباريات الأخيرة، مثل مواجهة جيرونا ومايوركا، بدا مبابي متذبذبًا، يهدر فرصًا ويفتقر إلى الفعالية المعتادة أمام المرمى. هذا التراجع ليس مصادفة؛ فهو يعكس عدم الارتياح مع الوضع الفني الجديد.
من جانبه، يحاول أربيلوا تهدئة الأمور ويؤكد دائمًا على أهمية مبابي. قال المدرب إن الفريق “يجب أن يلعب بشكل مختلف” مع عودة مبابي وبيلينغهام من الإصابات، مشددًا على أن وجود الفرنسي “امتياز” و”مشكلة سعيدة” لأي مدرب. يرى أربيلوا أن الفريق أقوى بوجوده، لكنه يحتاج إلى تعديلات تكتيكية ليتناسب مع قدراته المميزة. ومع ذلك، يشير بعض اللاعبين داخل الفريق إلى أن التحضير البدني الثقيل والمرونة الأكبر قد لا تناسب الجميع، خاصة مبابي الذي يفضل التنظيم التكتيكي الدقيق.
هذه الورطة ليست جديدة تمامًا على مبابي؛ فمسيرته شهدت تغييرات متكررة في المدربين، منذ أيامه في باريس سان جيرمان حتى ريال مدريد. لكنه جاء إلى النادي الملكي بحثًا عن الاستقرار والألقاب الكبرى. الآن، مع استمرار النتائج المتذبذبة تحت أربيلوا – مثل التعثر أمام فرق أقل مستوى – يتساءل الجميع: هل سيجد مبابي طريقه مرة أخرى، أم أن الأمور ستزداد تعقيدًا؟ الفريق لا يزال ينافس على لقب الدوري ودوري الأبطال، لكن غياب الاستمرارية يثير المخاوف.
في النهاية، يظل ريال مدريد ناديًا يعتمد على النجوم والتكيف السريع. مبابي، بموهبته الاستثنائية، قادر على قلب الطاولة إذا استعاد انسجامه. لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة أربيلوا على بناء نظام يجمع بين قوة الفريق البدنية والحرية الهجومية التي يحتاجها الفرنسي. إذا استمرت الأزمة، قد تكون هناك تغييرات إضافية في الصيف. الجماهير تنتظر الآن أن يعود “الملك” الفرنسي إلى سابق عهده، وأن يتحول هذا الاضطراب إلى قوة دافعة نحو المجد الأوروبي.













