أشخاصٌ كثيرون عبروا طريق حياتي، أصدقاءُ ارتبطتُ بهم في مراحل مختلفة من عمري، تشاركنا الكثير من اللحظات الرائعة، لكننا لم نستمر في صنع الذكريات طويلًا، بسبب عوامل كثيرة، أولها ظروف الحرب والتنقّل من بلدٍ إلى آخر…
محطاتٌ كثيرة عشتها في منافيي، وتجاربُ متعددة خضتها في بلاد الله الواسعة، لحظاتٌ متغيّرة ووجوهٌ غير ثابتة، والشيء الثابت الوحيد هو فلسطين؛ البحث الدائم عنها في كل ما أفعل وما أفكّر فيه…
قرأتُ الكثير عن وطني، وزرته عدة مرات حين سُمح لي بذلك من قبل سلطات الاحتلال… قرأتُ عن المدن الفلسطينية وقراها، وتعرّفت على تضاريسها عن قرب، حاورتُ الكثير من أبنائها، وقرأتُ عن الأسير وعن الشهيد، وعن حكايات البطولة والصمود… لكنني اكتشفت أنني لم أعرف تفاصيل الأسر: كيف يعيش الأسير حياته اليومية؟ كيف يُقاس الزمن داخل الزنازين؟ وكيف يخلق قيد السجّان معنى جديدًا للحرية؟
وجودي في مصر أتاح لي الفرصة الحقيقية للتعرّف على من تركوا أعمارهم معلّقة خلف القضبان، حاملين وطنهم في صدورهم… تعرّفت على ما لم تقله الصحف، وعلى ما لم تذعه نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية…
لم تكن رحلتي كصحفية أو إعلامية إلى عوالم الأسرى مجرّد مهمة عابرة…
كانت عبورًا إلى إنسانٍ آخر يسكنهم.
جلستُ أمام وجوهٍ أنهكتها السنوات، لكنها ظلّت مضيئة بشيءٍ لا يُكسر…
في أعينهم قرأتُ ما لم تقله الأخبار…
قرأتُ أمًّا تُخيط الانتظار بصبرٍ لا ينفد،
وطفلًا كبر على صورة،
وحلمًا مؤجّلًا… لكنه لم يمت.
أحدهم همس لي، بصوتٍ يشبه اليقين:
“نحن لا نعدّ الأيام… نحن نصنعها.”
حينها، شعرتُ أنني لا أُجري مقابلة… بل أُصافح معنى الحرية نفسه.
بطش الاحتلال ليس فقط في القيود التي تُغلّف المعصم،
بل في التفاصيل الصغيرة التي تُنهك الروح:
في عزلةٍ تُطيل الصمت،
وفي دواءٍ يتأخّر،
وفي حرمانٍ من أبسط حقوق الإنسان،
وفي محاولةٍ دائمة لسرقة الاسم، والذاكرة، والهوية.
ومع ذلك…
ينهض الأسرى كل يوم، كأنهم يُعلّمون العالم درسًا جديدًا:
أن الإنسان قد يُؤسر جسدًا، لكنه يظلّ حرًّا ما دام قلبه حيًّا.
في يوم الأسير الفلسطيني،
لا نكتب لنحزن…
بل لنُبقي الحكاية حيّة.
لا نُحصي الغياب…
بل نُضيء حضورهم فينا،
وتأثيرهم علينا…
لأن هناك من ينتظر،
من يُعلّق صبره على نافذة الأمل،
ومن يؤمن… أن خلف هذا الليل الطويل،
فجرًا لا بدّ أن يأتي













